عبد الكريم الخطيب

967

التفسير القرآنى للقرآن

الجسد من هذا الداء ، كان من الطبيعي بعد ذلك ، أن تقوم ملكات الإنسان وحواسه بوظائفها كاملة . . فكما لا يدعى إلى حمل التكاليف والأعباء مريض ، كذلك لا يدعى إلى القربات والحسنات من هو مقيم على المعاصي ، ملازم للمنكرات . . وإن التربية الحكيمة لمثل هذا ، هو أن يطبّ له من هذا الداء المتمكن منه ، فإن هو أقلع عنه ، كان من الممكن الانتقال به من جانب المعاصي إلى حيث البر والإحسان . . ولهذا كان من مقررات الشريعة : أن دفع المضار مقدّم على جلب المصالح ! ! وقوله تعالى : « مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ » - هو حثّ على المبادرة بطاعة اللّه ، والإعداد اليوم الآخر ، قبل فوات الأوان ، حين يهجم الموت على غرة أو دون إنذار سابق ، فيجد المرء نفسه وقد حضره الموت ، وفاته ما كان يراود به نفسه من طاعة اللّه ، ومن فعل الخير ، وعندئذ يود أن لو استأنى به الموت قليلا ، وترك له فرصة من الوقت ، يتدارك فيه ما فات ، ويصلح ما أفسد . . ولكن هيهات ، هيهات ! « فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ » * ( 34 : الأعراف ) وقوله تعالى : « فأصدق » منصوب بأن المضمرة بعد فاء السببية ، الواقعة بعد الطلب ، وهو الرجاء المفهوم من قوله تعالى : « لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ؟ فَأَصَّدَّقَ » . . فلولا هنا بمعنى « هلا » . وأصدق : أصله أتصدق ، قلبت التاء صادا ، وأدغمت في الصاد . . وأما قوله تعالى : « وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ » فهو مجزوم ، لأنه واقع في حيّز جواب الشرط ، المفهوم كذلك من قوله تعالى « لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ » فهو بمعنى « لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ، وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ » ! . .